إله الأمانة (٢): مغامرات الحب والقيادة الإلهية!

مشاركة المقال:

هذه السلسلة من الاختبارات – تحت عنوان “إله الأمانة” – هي للشهادة لإله الأمانة الذي سار معنا لسنوات طويلة فلم تبلى أحذيتنا، ولم يعوزنا شيء من الخير! هو “يهوه يرأى” الإله الذي يسدد احتياجاتنا بوفرة في المسيح يسوع بحسب غناه في المجد! وهو أيضًا إلهك – عزيزي القاريء – إن كنت قد أعطيته حياتك، وتحبه، وتتبعه من كل القلب!

دعه يكلمك بروحه من خلال هذه الاختبارات، ويشكل أيامك بحضوره وأمانته وغناه!

مغامرات الحب والقيادة الإلهية!

صيف عام ٢٠١١، هذا العام الذي مرت خلاله بلادنا الحبيبة مصر بظروفٍ خاصة جدًا!

كنت أعظ في الاجتماع المسائي في مؤتمر من مؤتمرات الشباب في وادي النطرون، وختمنا الاجتماع بعد الساعة العاشرة مساءً.

نظرًا لصعوبة السفر مساءً بسبب ما تمر به البلاد من أحداث آنذاك، ونظرًا لقرب وادي النطرون من منطقة السجون، أراد الخدام المسئولون عن المؤتمر أن يكرمونني بتوفير مبيت مريح يعفيني من مخاطر التحرك ليلاً وقتها، لذا، حجزوا لي غرفة مستقلة في فندق بيت المؤتمرات!

أتى الخدام ليخبروني متحمسين أن غرفتي جاهزة، ويمكن أن يوصلوا لي وجبة العشاء للغرفة لأرتاح ولأتناول طعامي بهدوء كالعادة مع خدام الكلمة المكرمين! على عكس توقعاتهم، لم يكن المبيت ممكنًا بالنسبة لي في هذه الليلة، إذ أن الرب أوصاني منذ صباح ذلك اليوم أن لا أقضي ليلتي في وادي النطرون، لكن أرجع لبيتي في القاهرة بعد العظة المسائية لأجل ترتيبات في صباح اليوم التالي! عزمت على تنفيذ قيادة الرب بعد الاجتماع مباشرة! أخبرت الخدام بهدوء باحتياجي إلى “توصيلة” إلى أول الطريق الصحراوي (الطريق السريع) لأتمكن من الحصول على مواصلة تقلني إلى القاهرة.

حاول الإخوة بكل الطرق أن يقنعوني بالمبيت. ومع تقديري الشديد لمحبتهم، وبذلهم الحقيقي لأجل إكرامي بحجز غرفة مستقلة – ومكلفة – لأجلي، أوضحت لهم إني لابد أن أغادر المكان، وأعود للقاهرة الليلة! هكذا وضع الرب في قلبي!!

بدأ الخدام يُعددون لي الأسباب المختلفة التي لأجلها لن أتمكن من المغادرة!! لا يوجد مواصلات! سيارات الميكروباص لم تكن تعمل في تلك الظروف بعد الساعة الثامنة أو التاسعة مساءً خوفًا من اللصوص وقُطّاع الطرق! وبالفعل “موقف الميكروباصات” متوقع أن يكون فارغ تمامًا من السيارات! كما أنه لا توجد أي سيارة متاحة مع الخدام لتوصيلي حتى للطريق السريع، إذ أتى الجميع مستقلين أتوبيسات المؤتمر مفضلين وجودهم معًا على القيادة منفردين تحسبًا لأي ظروف وتجنبًا للمخاطر!

“لابد أن تصعد للنوم في غرفتك المريحة في الفندق!! لن تتمكن من العودة للقاهرة اليوم!!” هكذا حاول الخدام أن يدفعوني بكل الطرق للمبيت!!

أخيرًا، وبعدما مضى الكثير من الوقت، فهموا أن ما بداخلي من قيادة إلهية أقوى من كل محاولاتهم لإقناعي بالمبيت!! فالرب هو مَن طلب مني أن أغادر، لذا، لن أبقى في المكان الخطأ في التوقيت الخطأ حتى لو كان هذا المكان هو ما يمليه المنطق وتوفره محبة الخدام!!

أخيرًا، وبعد تفكير، قالوا لي بخجل شديد: “لا يوجد سوى سائق التوكتوك الذي يأتي بالخبز لبيت المؤتمرات مبكرًا، يمكننا أن نتصل به تليفونيًا ونطلب منه الآن أن يأتي لاصطحابك لأول الطريق السريع، لكن المشكلة أنك لن تجد مواصلات للقاهرة في هذا الوقت، وسننتظرك حتى عودتك للمبيت هنا”!! بينما هم يشرحون الموقف، كنت أسمع صوت آخر بداخلي أقوى من كل أصواتهم – صوت الرب الروح – مؤكدًا لي أنه سيرسل مَن يوصلني للقاهرة!! قلت لهم: “اطمئنوا.. إلهي مَن يقودني هو مَن يهتم بي، ويرتب لي.. انتظروا معي المعجزة”!

أخيرًا، جاء التوكتوك، ركبته مسرعًا رغم عدم تمرسي على ركوبه، ركب معي أحد الخدام، الذي أصر على اصطحابي ليطمئن علىّ، وليعود معي حينما لا نجد مواصلات! طمأنته مرة أخرى أن الرب سيرسل لي مَن يوصلني! قال صادقًا: “أتمنى أن أرى هذه المعجزة”!!

وصلنا لبداية الطريق السريع بعد حوالي نصف ساعة من التأرجح في المدقات بداخل التوكتوك!

نزلنا من التوكتوك الذي بمجرد أن أوقف السائق محركه، ساد صمت رهيب!! موقف سيارات الميكروباص مظلم! ولا سيارة واحدة! لا يوجد بني-آدم!! بينما السائق يجلس بداخل التوكتوك مراقبًا لنا ومتململاً، اقتربنا أكثر أنا والخادم الذي يرافقني – سيرًا على أقدمنا – إلى الطريق السريع المظلم!

نظر إليّ أخي الخادم نظرة شاردة، فهمت من نظرته أنه يسألني بعمق عن صوت الرب الذي سمعته بداخلي وقد قادنا للوصول لهذه النقطة التي لا تعريف لها عنده!! بشكل ما شعرت أن أخي الخادم – وسط هذا الموقف – مشوشًا بأفكار العدو الذي يحاول أن يؤكد بداخله فكرة خادعة – (قناعة لاهوتية خاطئة) – تقول أن الرب الذي نستطيع أن نعظ به بثقة هو الإله الذي يخلص الخطاة ويضمن لهم السماء.. فقط! لكننا لا نستطيع أن نخبر الشباب أو نعِدهُم بأكثر من هذا!! فما يحدث الآن هو نتيجة “الأكثر” من هذا – ويقصد الاستماع للصوت الداخلي والمشي وراءه بحماس!

كانت نظرات صديقي الخادم تقول هذه الفكرة بكل الطرق!! كأنه يود أن يقول لي لماذا كل هذا المجهود والعناء؟! ألم يكن من الممكن أن تتجاهل هذا الصوت الذي تحسبه الرب، وتذهب لتنام – وننام نحن أيضًا – في راحة؟!

كنت أصرخ داخليًا بحماس – وكدت أصرخ بصوت عالٍ – مقاومًا أفكاره: لا يا أخي! لا يمكن أن أتجاهل قيادة الرب لي، حتى لو بدت غريبة! لأن الرب هو الملك والقائد، وقد علمني أن في قيادته حياة وضمان ووفرة ومغامرات حب ممتعة! وهو لن يتركني!

دار هذا الحديث بيننا في صمت! بدا هو متحيرًا ممتليء ضيق، ولبثت أنا مسنودًا بالنعمة ومصممًا على انتظار إلهي! نظرت إليه بمحبة وهدوء، وقلت له: “أخي الحبيب، شكرًا على تعبك معي، يمكنك أن تتركني هنا وتعود مع سائق التوكتوك، كي لا تتأخر على الأحباء الذين ينتظرونك في المؤتمر، أنا سأنتظر هنا وسيرسل الرب لي الوسيلة التي أعود بها القاهرة”!

نظر إليّ نظرة تقترب من الغضب، قائلاً بانفعال: لن أتركك هنا لتقضي ليلتك في الخلاء في هذه الظروف، وغرفتك جاهزة في الفندق!!

قلت له بتأكيد وبحسم: لا تقلق، لن أقضي ليلتي هنا! سيرسل لي الرب “توصيلة من عنده!!”

أوشك أن يفتح فمه ليرد وكادت نبرته أن تذهب نحو الاحتداد، وإذا بي ألمح في نفس اللحظة وراءه ما يشبه نور كشافات ضخمة تقترب من بعيد! قلت له: انتظر لحظات، سأشير لهذه المركبة الآتية لتتوقف! التفت لينظر، كان النور بعيدًا، لم نستطع تمييز ماهية هذه الكشافات، خمنا أنها قد تكون سيارة ميكروباص، كانت بعيدة جدًا، لكن نظرًا للظلام الشديد، استطعنا رؤية أنوارها! مرت حوالي دقيقة أو نصف دقيقة وأنا رافع يدي الاثنين مستعدًا للتلويح للمركبة الآتية ببطء لأوقفها!  كلما تقترب كلما ميزنا أنها أكبر من ميكروباص!! إنها أتوبيس!! نعم ها هي أمامنا! أتوبيس نقل سياحي فاخر!! ظللت ألوح بانفعال شديد وكدت أن أقف أمام المركبة الزاحفة ببطء!! كنت أشعر أن إلهي أرسل لي هذا الشيء لي من السماء ولن أتركه يفوتني!! عادةً – ومن المؤكد في هذا الظروف – أن لا تتوقف هذه الأتوبيسات أبدًا على الطريق!! وسط ذهولنا – أنا وصديقي الخادم – توقف الأتوبيس أمامنا مباشرة بصوت فرملته البطيء الذي يشبه الأغنية لأذني آنذاك، وفتح السائق الباب الذي انفتح بصوته الذي يشبه بوق رخيم يطلق رياح!! سألت السائق: “القاهرة”؟ أجابني على الفور “اطلع يا أستاذ”!! صديقي الخادم مذهول! سأله “بتذاكر”؟ رمينا بنظرنا معًا إلى داخل الأتوبيس، فوجدنا حوالي عشرة رُكاب في الأتوبيس الفاخر الذي يسع حوالي خمسين راكبًا! أجاب السائق: “لن آخذ أجرة.. أنا في توصيلة خاصة.. ووقفت مخصوص علشان أخدك ولا تقف في الخلاء والظلام”!! كان السائق يكلمني وكأنني أقف بمفردي! والحقيقة أنا لم أكن أسمعه وقتها! كنت أسمع صوت التهليل بداخلي.. هتاف في أعماقي: هذه التوصيلة الخاصة هي لي، وهذا أرسله إلهي كي لا أقف في الخلاء والظلام! هذا أرسله إلهي لأذهب لبيتي الليلة كما كلمني!! لقد فعلها الرب مرة أخرى! كما هي عادة أمانته! نظرت لصديقي الخادم! قلت له “اطمئن عليّ.. كله تمام”! كان صديقي يتمتم بكلمات متناثرة مثل: “إزاي ده وقف دلوقتي؟”، “مش معقول”! رد عليّ مذهولاً، قائلا باندفاع: “يا بختك”!! ودعته واستدار ليركب التوكتوك الذي لم يسمع صوت محركه وهو يتحرك بهما، لأن صوت موتور الأتوبيس السياحي الذي أرسله إلهي كان هو الأعلى!!

ازداد سروري بعد صعودي للأتوبيس إذ كان السائق ودودًا جدًا، وكان تكييف الهواء في الأتوبيس باردًا جدًا كما أحبه تمامًا وسط ليالي الحر في الصيف! استشرت الرب أين أجلس، أشار بداخلي إلى أحد الكراسي، جلست بعد سؤال السائق مرة أخرى عن الأجرة، وتأكيده مرة أخرى أنه في “توصيلة خاصة” ولن يأخذ أجرة..

استلقيت على كرسيَّ.. أغمضت عينيّ.. ابتسمت ابتسامة رضا من قلبي.. دار حديثي سرًا مع إلهي العجيب! حديث يفيض بالشكر والحب والامتنان والعرفان بالجميل والراحة والحماس الدافيء!! كلما فتحت عينيّ ونظرت لاتساع الأتوبيس الفاخر، وكلما أدركت مقدار الراحة الجسدية التي أشعرها على هذا الكرسي في هذا الجو المكيف وإضاءة الأتوبيس الخافتة التي أحبها، ازداد اندهاشي وامتناني، وغصت أكثر بكل ما فيّ في أعماق الفضل الإلهي والفيض الإلهي.. في أعماق النعمة التي تكملني!! كم أحب قيادتك يا أبي! وكم أحب مغامرات الحب معك!

أنت القادر أن تفعل فوق كل شيء أكثر جدًا مما نطلب أو نفتكر بحسب القوة التي تعمل فينا.. لك المجد في الكنيسة في المسيح يسوع إلى أبد الآبدين! آمين!

خادم للرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *