Heaven Upon Earth Logo

الروح القدس وصناعة شخصية اللاهوتي (۲)

مشاركة المقال:

المقدمة

القاريء العزيز؛ تناولنا في الجزء الأول من هذا المقال – وهو المقال الثاني من سلسلة مُصالحة اللاهوت والروحانية – عرضًا مختصرًا لحياة غريغوريوس النزينزي وكتاباته. ورأينا كيف تجلت المصالحة بين الأكاديمية والروحانية في المراحل المختلفة لحياة النزينزي نفسه تجليًا أصيلاً يُثبت أن منهجيته لبناء شخصية اللاهوتي اعتمادًا على الروح القدس لم تكن مجرد منهجية نظرية، لكنها كانت منهجية اختبارية تحققت بالفعل في حياته أولاً، ومن ثَم نقلها لنا في خطبه اللاهوتية. والحقيقة، كما أشرنا من قبل، فإن القراءة التحليلية لخطب النزينزي اللاهوتية تكشف لنا مركزية عمل الروح القدس في صناعة شخصية اللاهوتي، وفي إتمام تشكيل هذه السبيكةٍ الجامعة للنُسك والروحانية مع الضبط المُتقَن للمحتوى اللاهوتي – وهو ما سنتناوله تفصيلاً في السطور الآتية، وفي أجزاء قادمة من هذا المقال.

الخُطب اللاهوتية الخمسة للنزينزي

ألقى النزينزي خطبه اللاهوتية الخمسة – والتي نعتمد عليها في المقام الأول لتحليل منهجيته لصناعة اللاهوتي – في صيف عام ۳۸۰ ميلاديًا (أي قبل انعقاد مجمع القسطنطينية عام ۳۸۱ – والذي كان النزينزي رئيسه الأول – بشهورٍ قليلة)، مما قد يشير إلى دورٍ مركزي لعبته هذه الخطب في صياغة التراكيب اللاهوتية لقانون الإيمان النيقاوي/ القسطنطيني، والذي يؤمن به ويردده المسيحيون حول العالم إلى يومنا هذا. وتمثل الخطب اللاهوتية الخمسة عملًا لاهوتيًا كاملًا لا يتجزأ؛ إذ تُقدِم منهجية لاهوتية واضحة مُركبة تركيبًا متداخلاً مع محتوى لاهوتي كلاسيكي في سبيكةٍ لا يمكن فصل مكوناتها. يُحدد النزينزي في الخطاب الأول السياق اللازم لإنتاج محتوى لاهوتي أصيل؛ وذلك من خلال شرح ما يجب أن يكون عليه اللاهوتي نفسه. بينما يناقش في الخطاب الثاني العلاقة القائمة بين “العقل أو المنطق” من جهةٍ، مع “الإيمان” من جهةٍ أخرى، بما يضمن التآزر بينهما. ثم يعرض غريغوريوس في الخطابات من الثالث إلى الخامس المحتوى اللاهوتي المُصاغ اعتمادًا على المنهجية المُقدمَة قبلاً، من خلال تقديمه لقطعةٍ من العمل الكريستولوجي (أي المُختص بعقيدة المسيح) الكلاسيكي المُتقن وعرضه للعقيدة القويمة عن الروح القدس. هذا ويرى الكثير من العلماء أنه بالرغم من أصالة وثِقَل المحتوى اللاهوتي الذي قدمه غريغوريوس في حد ذاته؛ غير أن منهجيته، التي صاغ من خلالها هذا المحتوى، تقف في مقدمة إسهاماته اللاهوتية المُتفردة، كما سيتضح لنا.

منهجية النزينزي لصناعة اللاهوتي: من أين تبدأ الرحلة؟

“ليس لكل إنسان أن يتفلسف في شأن الله؛ ليس ذلك أمرًا زهيدًا، ولا هو من شأن الزاحفين في التراب… ليس ذلك من شأن جميع الناس، بل من شأن الذين تمرسوا بالتأمل وصعدوا فيه، إذ تقدسوا قبلاً نفسًا وجسدًا، أو على الأقل في طريق التقديس. إذ أن المساس بالمقدس في غير قداسة هو أمر غير مأمون العواقب!” (خطاب ۲۷: ۳)

بهذه الكلمات المانعة يبدأ النزينزي رحلته نحو رسم خريطة صناعة اللاهوتي؛ إذ يستفيض في خطابه الأول في شرح العلاقة بين التفلسف في شأن الله والحياة الروحية الشخصية للاهوتي. وبطريقةٍ مباشرةٍ، يضع النزينزي حياة التأمل والتقديس في قلب هذه الخريطة. والحقيقة، فإن هذه العلاقة بين علم اللاهوت والروحانية التي يعيد النزينزي صياغة حبكتها، لم تكن يومًا ما غريبة على التعاليم الآبائية المُبكرة. إذ يُوضِح فلاديمير لوسكي، اللاهوتي الأرثوذكسي الشهير الذي عاش في القرن العشرين– في كتابه الكلاسيكي “اللاهوت المستيكي/السرائري للكنيسة الشرقية” – أن التقليد الشرقي لم يميز بصورة قاطعة بين الطريق المستيكي/السرائري وعلم اللاهوت، أو بين الاختبار الشخصي للأسرار الإلهية وبين صياغة العقائد اللاهوتية التي أكدتها الكنيسة. كما يؤكد أيضًا لوسكي في كتابه “مقدمة في اللاهوت الأرثوذكسي”، على الفهم الآبائي للمعرفة اللاهوتية على أنها نعمة إلهية. إذ يمكن وصف التبحُر في علم اللاهوت بكونه استنارة بالنعمة تحول حياة الفرد تحولاً جوهريًا، من خلال مقابلات ومواجهات إلهية يكشف فيها الله عن نفسهِ بروحهِ. ومن الواضح جدًا في هذا الشرح حتمية تلازم الاختبار التحولي الكياني لشخصية اللاهوتي، الحادث في المقابلات الإلهية، مع إنتاجه للصياغات اللاهوتية! ويتطابق وصف لوسكي لهذا البُعد تمامًا مع لاهوت غريغوريوس. كما يؤكد كريستوفر بيلي (وهو أحد أهم دارسي فكر غريغوريوس كما سبقت الإشارة)، على نفس المنهج بتشديدهِ على أن ممارسة التعليم اللاهوتي وفقًا لغريغوريوس، لا تبدأ بمعلومات مجردة عن الله، لكنها تبدأ مع تحول اللاهوتي كيانيًا في الحضرة الإلهية!

غريغوريوس النزينزي
غريغوريوس النزينزي

في خطابه اللاهوتي الثاني، يواصل غريغوريوس حديثه عن علم اللاهوت باعتباره “مشاركة كيانية” أو “رؤية وبصيرة”؛ إذ يصف اختباره الشخصي للمعرفة اللاهوتية بأنه ركضًا لإمساكِ الله؛ نتج عنه رؤية ومعاينة للأذيال الإلهية. وهذه الرؤية ليست بالتأكيد إحاطة بالذات الإلهية، التي لا يُحيطُ بها إلا شخصه العظيم في معرفةٍ جامعةٍ في ثالوثه القدوس، وإنما هي مشاركة ولقاء كياني من خلال معاينة نور الإله والمكوث فيه، وتذوقه اختباريًا تذوقًا يصنع تحولاً كالذي تصنعه النار في قطعة الحديد المغموسة فيها!

إذا، وفقًا لغريغوريوس، يتم احتضان المعرفة اللاهوتية/علم اللاهوت جوهريًا في إطار الاختبار والاشتراك مع الله، في علاقة ديناميكية هي بذاتها التي تُعرِّف اللاهوتي أو تعطيه هويته كشخص ذو “حركة روحية” في الأساس – كما يقول العالم اللاهوتي دانيال روجيتش – وبالتالي، فإن المقابلات الإلهية هي الإطار الذي يتجلى فيه علم اللاهوت أو المعرفة اللاهوتية تبعًا لغريغوريوس. وهنا يظهر اللاهوتي ظهورًا مستمرًا كطفلٍ متشوقٍ للقاء أبيه! فبدون اللقاء الإلهي يفقد اللاهوتي هويته! وبدون استمرار الاختبار الكياني التشاركي في خبرة تذوق النور، يفقد اللاهوتي إشعاعه وقدرته على التفلسف الفعّال عن الله وسط مجتمع أناس الله! وهنا يظهر الروح القدس كفاعل أساسي في صناعة اللاهوتي؛ إذ أن الروح القدس هو مايسترو الخبرة التشاركية التي يحياها اللاهوتي في الحضرة الإلهية. فالروح القدس هو المُعلِن للحضرة الإلهية التي تتجلى في فعالياتها معرفة الثالوث القدوس، فتصبح دراسة علم اللاهوت واقعًا حقيقيًا وليس ممارسة افتراضية! فالخبرة التشاركية مع الروح القدس وفيه، أو المشاركة المُعايِنة لمجد الله؛ تُرى كركيزة أساسية في فكر النزينزي ومنهجيته لصناعة اللاهوتي.

والحقيقية أننا لكي نفهم فكر غريغوريوس حول هذه “الخبرة التشاركية” بطريقة متكاملة؛ يجب علينا أن نبدأ من فهم غريغوريوس “للصعوبة” الحقيقية المُلازمة لمحاولات الإبحار في المعرفة اللاهوتية وعلم اللاهوت، وهو ما سنناقشه معّا – عزيزي القاريء – بالتفصيل في الجزء القادم من هذا المقال بمشيئة الرب. دُمتُم في محبة الآب ونعمة الابن الوحيد وشركة الروح القدس!

دكتور ثروت ماهر

دكتوراه في اللاهوت التجديدي وتاريخ الكنيسة (PhD)– جامعة ريجينت – فيرجينيا
العميد الأكاديمي لكلية لاهوت الإيمان بمصر،
ومدرس الدراسات الوسلية والخمسينية بكليات اللاهوت المصرية
نُشِر في جريدة الطريق والحق في نوفمبر ۲۰۱۹

مقالات أخرى

تابعنا:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عن المؤلف

د. ثروت ماهر
د. ثروت ماهر
الدكتور ثروت ماهر هو رجل نهضات وخادم متفرغ للوعظ والتعليم والكتابة والبحث اللاهوتي. حصل على بكالوريوس الهندسة الميكانيكية من جامعة الزقازيق، ثم بكالوريوس الدراسات اللاهوتية بامتياز من كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة، ثم درجة ماجستير اللاهوت بامتياز من الكلية نفسها. وبعد ستة سنوات من الدراسة بجامعة ريجينت بفرجينيا، حصل الأخ ثروت على درجة الدكتوراة بامتياز في اللاهوت والتاريخ (PhD) من جامعة ريجينت في مارس ۲۰۱۹. كما يخدم د. ثروت ماهر في منصب العميد الأكاديمي بكلية لاهوت الإيمان الوسلية بميدان فيكتوريا منذ عام ٢٠١٩، وهو عضو بلجنة اعتماد كليات اللاهوت الدولية بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد أسس دكتور ثروت ماهر، وزوجته جاكلين عادل، في سبتمبر عام ٢٠١٦، خدمة السماء على الأرض وهي خدمة تعليمية تعبدية لها اجتماع أسبوعي بكنيسة المثال المسيحي بشبرا.