Heaven Upon Earth Logo

الروح القدس وصناعة شخصية اللاهوتي (۳)

مشاركة المقال:

المقدمة

القاريء العزيز؛ توقفنا في الجزء السابق من هذا المقال – وهو المقال الثاني من سلسلة مُصالحة اللاهوت والروحانية – عند مركزية “الخبرة التشاركية” التي يحياها اللاهوتي في الحضرة الإلهية، والتي يقودها الروح القدس كالمايسترو الذي يُعلن عن هذه الحضرة ويقود مفرداتها. ورأينا كيف أن هذه الخبرة التشاركية مع الروح القدس وفيه – أو المُشَارَكَة المُعَايِنَة لمجد الله – تقف كركيزة أساسية في منهجية غريغوريوس النزينزي لصناعة اللاهوتي. وقد أشرت أنه لكي نفهم فكر النزينزي حول هذه الخبرة التشاركية فهمًا متكاملاً؛ لابد أن نبدأ من إدراكه “للصعوبة” الحقيقية المُلازِمة لمحاولات الإبحار في المعرفة اللاهوتية وعلم اللاهوت، وهو ما سنبدأ به حديثنا الآن.

"الصعوبة" الحقيقية في المعرفة اللاهوتية بحسب فكر النزينزي

“… لذلك يجب أن نبدأ من جديد هكذا؛ يصعُب إدراك الله، ويستحيل التعبير عنه… وفي رأيي أن التعبير عن الله مستحيل، وأن إدراكه أشد استحالة… فالفكر البشري لا يستطيع أن يُدرك الألوهة… فإن تخيُلها في كامل ذاتِها أمرٌ غير ممكن…” (خطاب ۲۸: ٤، ۱۱)

بهذه الكلمات يُصَرِح النزينزي – في خطابه اللاهوتي الثاني – أنه من المستحيل أن نتصور الله، ويستفيض في القول بأن معرفة الله تُعَد مُحتَجَبَة بصعوبةٍ حقيقية، وأن الفكر البشري لا يمكنه إدراك الألوهة أو تخيلها! والحقيقة، فإن الدارس لفكر النزينزي يجد فكرتين متناقضتين – ظاهريًا – حول معرفة الله. الفكرة الأولى تعكس مدى إصرار النزينزي على صعوبة معرفة الله؛ على الرغم من إقراره أن آدم قد خُلِقَ في الأصل لأجل هذه المعرفة! ويُعبر عن هذا الاتجاه العَالِم اللاهوتي والآبائي جون مَكجاكين، إذ يقول: “إن غريغوريوس يُعَلِم بوضوح في المقام الأول أن الله بشكل أساسي غير قابل للمعرفة. لا يتردد النزينزي في هذا أبدًا… لا يوجد عقل مخلوق – ولا حتى أعلى القوات الملائكية – يمكنه إدراك جوهر الله. طبيعته هي أبعد من كل اكتشاف”.

ولكن، على النقيض من هذا التيار من الأفكار حول صعوبة معرفة الله عند النزينزي، فإننا نجده يتحدث في أماكن أخرى عن “رؤية الله”، ويستخدم كلمات إنجيل متى: “طوبى للأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله” (مت ٥: ۸)، لإثبات فكرة المعاينة هذه. ومعروف في الفكر الآبائي أنّ التعبيرين “الرؤية” و”المعرفة” أو “المُعَاينة” و”الفهم” يُستخدمان تقريبًا بشكل مترادف للتعبير عن المعرفة الحقيقية، مما يثير السؤال البديهي حول ما إذا كانت معرفة الله “مستحيلة” أم “ممكنة” وفقًا للنزينزي!

وللإجابة على هذا السؤال، فإنه من المهم جدًا التمييز بين مستويين من معرفة الله يُمكن ملاحظتهما في فكر النزينزي: المستوى الأول هو “الإدراك الكامل”، كما دعاه كريستوفر بيلي (وهو أحد أهم دارسي فكر غريغوريوس)، إدراك الألوهة في كامل ذاتها، أو الفهم الكامل لما “لكينونة الله في الطبيعة والجوهر”. إذ يؤكد النزينزي أن هذا المستوى مستحيل. عدم إمكانية فهم الله بهذا المستوى يُشكِّل فكرة رئيسية في فكر غريغوريوس. إذًا، عبر هذا المنظور، فإن الله غير قابل للمعرفة، غير قابل للتصور، وغير قابل للفهم!

أما المستوى الآخر من معرفة الله وفقًا للنزينزي؛ فهو ببساطة الرغبة للدخول لهذه المعرفة، على المستوى الشخصاني، من أجل اختبار الشركة مع هذا الإله العظيم – شركة النور والحب! أي ببساطة أن يبدأ المرء الإبحار ويُغمَس بكامل كيانه في رحلة المعرفة الإلهية. أي أن يقترب المرء – في مخافة – من الله اقترابًا حميميًا برغبة معرفته والاشتراك في ضيائه. يوضح النزينزي أن هذا النوع من المعرفة يتضمن أيضًا صعوبة، ولكنه ليس مستحيل. وتأتي الصعوبة هنا من كثافة الطبيعة الجسدية. إذ يُعلق النزينزي على ما جاء في سفر المزامير في القول: “جعل الظلمة ستره. حوله مظلته ضباب” (مز۱۸: ۱۱)، قائلًا: “… ربما كان هذا هو المقصود من “جعل الظلمة ستره/ أو مكانه السري” – أي “بلادتنا”، التي من خلالها لا يستطع الرؤية سوى القليلين بقبسٍ ضئيل” (خطاب ۲۸: ۱۲). إذًا، هذا الضباب أو النقاب الذي يقف ضد هذه الخبرة التشاركية، وِفقًا لغريغوريوس، هو طبيعتنا الجسدية التي تعمل – بسبب السقوط – كضباب بيننا وبين الله. وهنا يتجلى أحد أدوار الروح القدس المركزية في صناعة شخصية اللاهوتي. إذ أن الروح القدس هو المايسترو الوحيد الذي يستطيع قيادة المرء لهزيمة هذا النقاب، ولاختراق هذه الظلمة، من أجل العبور إلى اختبار معرفة الله وتذوق النور الإلهي. ولا تتم هذه العملية إلا بتقديس اللاهوتي (أي المُشتغِل باللاهوت) بالروح القدس! فبحسب النزينزي، يمكن للاهوتي الحقيقي هزيمة هذا النقاب في هذه الحياة باتخاذ خطوات تقدمية للأمام من خلال التنقية والتقديس المستمر، والذي لا يتم إلا بمؤازرة شخص الروح القدس – شخص الروح القدس وحده!

تقديس اللاهوتي: رؤية الله ومعاينة ضياءه

انطلاقًا من هذا المفهوم، فإن المعرفة اللاهوتية، وِفقًا لغريغوريوس، يتبلور تعريفها كدَعوَةٍ مُوجَهَة من قِبَل الروح القدس – فقط – لهؤلاء الذين يُرحبون بمسيرة التنقية والتقديس من أجل الصعود إلى الجبل – جبل المعرفة الإلهية. وهؤلاء المُرحبُون بمسيرة التقديس سيدخلهم الروح القدس في شركة عميقة معه لتقديسهم. وإذ يدخلون في هذه الشركة؛ يُدركون أن التقديس ما هو إلا بداية الرحلة، أو بالأحرى هو “الشرط الضروري” الذي يؤهِل للبدء فيها، واستمراره يضمن استمرار فاعليتها! إذ أن الرحلة نفسها تمتليء على امتدادها بالإعلانات الإلهية. وهذه الإعلانات هي التي تُشكِل بذاتها جوهر “صيرورة” اللاهوتي لاهوتيًا! فالتقديس بالروح القدس يقود إلى عُمق الشركة مع الثالوث (إليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً / يو۱٤: ۲۳)، والشركة العميقة مع الثالوث تنتج تقديسًا أعمق، وتمتليء بالإعلان والاستنارة. فها الروح القدس وقد وجد شريكًا قد قدسه بقوته– أي خَصصه – ليشاركه بإعلاناته اللاهوتية ويُصَيِرَه لاهوتيًا بالحق! والإعلانات الإلهية سُرعان ما تدخل باللاهوتي إلى درجة أعمق من الاتحاد بالثالوث القدوس! فالله إذ يُعلن عن ذاته يُعطي ذاته! وعطاءه لذاته هو فيض حياة، وقوة تغيير، وهذا بدوره يدخل باللاهوتي إلى مراحل أعمق من رحلةٍ كيانيةٍ عميقة مُتفردة لإعادة التشكيل. تستمر هذه الرحلة طالما يستمر اللاهوتي مُقدسًا، مفرزًا، ومُستقبلاً للإعلانات الإلهية. وتكتسب هذه الرحلة تفرُدها – من لاهوتي لآخر – من تفرد التشكيلات الروحية الناتج عن تفرد سمات شخصية كل لاهوتي في شركته مع الثالوث القدوس! فرغم وحدة المحتوى (نظرًا لتطابق المُعطِي)، غير أنه لا يمكن أن يتطابق اللاهوتيون! ولهذه الرحلة – بمراحلها المختلفة من التقديس والإعلان والاتحاد – منهجية وأدوات يستخدمها الروح القدس لإتمام تشكيل شخصية اللاهوتي! وهذه المنهجية والأدوات – قارئي العزيز – هي محور حديثنا تفصيلاً في الجزء القادم من هذا المقال بمشيئة الرب. دُمتُم في محبة الآب ونعمة الابن الوحيد وشركة الروح القدس!

دكتور ثروت ماهر

دكتوراه في اللاهوت التجديدي وتاريخ الكنيسة (PhD)– جامعة ريجينت – فيرجينيا
العميد الأكاديمي لكلية لاهوت الإيمان بمصر،
ومدرس الدراسات الوسلية والخمسينية بكليات اللاهوت المصرية
نُشِر في جريدة الطريق والحق في ديسمبر ۲۰۱۹

مقالات أخرى

تابعنا:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عن المؤلف

د. ثروت ماهر
د. ثروت ماهر
الدكتور ثروت ماهر هو رجل نهضات وخادم متفرغ للوعظ والتعليم والكتابة والبحث اللاهوتي. حصل على بكالوريوس الهندسة الميكانيكية من جامعة الزقازيق، ثم بكالوريوس الدراسات اللاهوتية بامتياز من كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة، ثم درجة ماجستير اللاهوت بامتياز من الكلية نفسها. وبعد ستة سنوات من الدراسة بجامعة ريجينت بفرجينيا، حصل الأخ ثروت على درجة الدكتوراة بامتياز في اللاهوت والتاريخ (PhD) من جامعة ريجينت في مارس ۲۰۱۹. كما يخدم د. ثروت ماهر في منصب العميد الأكاديمي بكلية لاهوت الإيمان الوسلية بميدان فيكتوريا منذ عام ٢٠١٩، وهو عضو بلجنة اعتماد كليات اللاهوت الدولية بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد أسس دكتور ثروت ماهر، وزوجته جاكلين عادل، في سبتمبر عام ٢٠١٦، خدمة السماء على الأرض وهي خدمة تعليمية تعبدية لها اجتماع أسبوعي بكنيسة المثال المسيحي بشبرا.