إله الأمانة (٣): “هكذا قال الروح: النقود مختبأة في كتابك المقدس!”

مشاركة المقال:

هذه السلسلة من الاختبارات – تحت عنوان “إله الأمانة” – هي للشهادة لإله الأمانة الذي سار معنا لسنوات طويلة فلم تبلى أحذيتنا، ولم يعوزنا شيء من الخير! هو “يهوه يرأى” الإله الذي يسدد احتياجاتنا بوفرة في المسيح يسوع بحسب غناه في المجد! وهو أيضًا إلهك – عزيزي القاريء – إن كنت قد أعطيته حياتك، وتحبه، وتتبعه من كل القلب!

دعه يكلمك بروحه من خلال هذه الاختبارات، ويشكل أيامك بحضوره وأمانته وغناه!

"هكذا قال الروح: النقود مختبأة في كتابك المقدس!"

منذ ما يقرب من ثمان عشرة سنة، دُعيت لأعظ في مؤتمر كرازي بمدينة ساحلية تقع على خليج السويس بساحل البحر الأحمر. ولأن المؤتمر كان كرازيًا، فقد تم تحذير الوعاظ الزائرين – مثلي – من ترك متعلقاتهم الشخصية في أي مكان بأريحيّة! أوضح القائمين على المؤتمر أن هناك احتمالية قوية أن يسرق بعض المُؤتَمرِين المُقيَدين بخطية السرقة – الذين لم يقبلوا الرب يسوع كمخلص شخصي لحياتهم بعد – أي متعلقات متروكة من دون ملاحظة!

نعم، كما فهمت من الكلمات السابقة – عزيزي القاريء – كان هناك بعض اللصوص وسط المؤتمرين تم اجتذابهم إلى حضور المؤتمر ليتوبوا حينما يتقابلون مقابلات حية مع الرب يسوع المسيح المخلص. لكن، إلى حين توبتهم، كان ينبغي إتخاذ كل الإجراءات للوقاية من أي فقد للمتعلقات الشخصية نتيجة أي سرقات! نُصحت أيضًا، أن أغلق حقيبتي بقفل جيد حتى لا يمكن فتحها إذا كانت هناك أي محاولات لفتحها من قبل أولئك المُؤتمِرين اللصوص!

الحقيقة لم تقلقني هذه التعليمات، فقد ذهبت إلى هذا المؤتمر بتذكرة أتوبيس سياحي كان ثمنها آخر ما معي من نقود! فلم يكن معي ثمن تذكرة العودة، بل كنت أيضًا في هذا الوقت في احتياج مُلح لتوفير إيجار المنزل الشهري الذي كان عليّ أن أدفعه بمجرد عودتي من المؤتمر!

اشتريت تذكرة الذهاب وآمنت أن الرب سيسدد احتياجاتي بحسب غناه في المجد! ألم يعدني بذلك في كلمته؟! “فيَملأُ إلهي كُلَّ احتياجِكُمْ بحَسَبِ غِناهُ في المَجدِ في المَسيحِ يَسوعَ” (فيلبي ٤ : ١٩).

ذهبت للمؤتمر بالإيمان معتمدًا على الرب الذي بالتأكيد سيدبر عودتي، بل وسيدبر لي الإيجار الذي سأدفعه بعد عودتي، لأنه هو الذي دعاني للخدمة وللذهاب وهو يعلم أنه ليس معي ثمن تذكرة العودة، ويعلم أنه ليس معي الإيجار الذي ينبغي أن أدفعه يوم عودتي للقاهرة!

على أي حال، رغم عدم وجود أي نقود معي، أغلقت حقيبتي بقفل، كما نُصحِت، على الأقل حرصًا على ملابسي! ولأني كنت سأعظ أكثر من عظة في المؤتمر، وكنت سأبيت ليلتين، فقد أخذت احتياطاتي عمليًا وروحيًا ضد أي محاولات محتملة قد يدبرها العدو لتعطيلي عن إتمام خدمتي!

انقضى اليوم الأول من المؤتمر، وكان حضور الرب قويًا، وقدم الكثيرون توبة، وطلب الكثير من الحاضرين – بعد الاجتماع المسائي – أن يجلسوا معي لطلب الإرشاد والإعتراف بأمور الماضي لأجل صلوات خاصة للتحرير وللشفاء. استمرت الجلسات لوقت متأخر فجرًا.

ثم جاء اليوم الثاني، وانقضت أيضًا الاجتماعات صباحًا ومساءًا بحضور إلهي عجيب، تحرير، شفاءات، دموع توبة وفرح يملأ التائبين.. امتدت جلسات الإرشاد لقرب الثالثة فجرًا في هذه الليلة، فقد كنت سأغادر في الصباح الباكر، وكنت أشعر بدفعٍ إلهي أن أجلس مع النفوس التي تبحث عن الرب، فقد أرسلني الرب لهذا المؤتمر لأجل هذا.

فرغت من آخر جلسة قرب الثالثة فجرًا، وأنا أشعر برغبة شديدة في النوم، وليس أمامي سوى ثلاثة ساعات تقريبًا لأستيقظ في السادسة لألحق بالأتوبيس الوحيد الذي يغادر هذه المدينة في السابعة صباحًا!

وضعت رأسي على الوسادة، وتذكرت أني لم أشتر تذكرة عودة، وأنه ليس معي نقود تكفي شراء تذكرة العودة! قررت أن أنام هذه الساعات الثلاثة، وأنتظر معجزات أبي السماوي، فهو الوحيد الذي يعلم الاحتياج، وهو الوحيد القادر على تسديد احتياج لا يعلمه سواه!

استيقظت بعد السادسة بقليل. أتممت استعدادي للنزول. وجدت أحد الخدام، كان قد تم الاتفاق معه مسبقًا على اصطحابي للمحطة، ينتظرني في الخارج. ركبت معه السيارة وأنا أصلي في قلبي لأجل ثمن تذكرة العودة. وصلنا المحطة، أخذت حقيبتي المغلقة بالقفل وكتابي المقدس، ونزلت من السيارة. ودعته ببطء، فقد كان يمثل في هذه اللحظة -بالتوقع الذهني- أحد المصادر الأساسية التي قد يستخدمها الرب لتسديد ثمن التذكرة! سلمنا على بعض وشكرني، وذهب!

جلست على أحد كراسي محطة الأتوبيس مبتسمًا، مصليًا، منتظرًا الرب وحده! عاد صديقنا الخادم بعد لحظات معتذرًا بشدة أنه نسى شراء تذكرة العودة لي رغم تشديد باقي الخدام عليه بإتمام هذا الأمر منذ الأمس! ذهب مسرعًا إلى شباك التذاكر، وعاد ممسكًا بالتذكرة معتذرًا مرة أخرى لأنه لم يجد متاحًا إلا آخر تذكرة في الأتوبيس، وهي تذكرة المقعد الأخير في منتصف الكنبة الخلفية، هذا المقعد المعروف بأنه “فوق الموتور مباشرة”! شكرته بكل قلبي، مؤكدًا إنه لا داعي للاعتذار، شاكرًا الرب بكل قلبي لأننا استطعنا اللحاق بآخر مقعد في الأتوبيس!

صعدت إلى الأتوبيس المكتظ بالركاب. توجهت إلى مقعدي الأخير “الأعلى” في آخر الأتوبيس (فهو مقعد مرتفع بعض الشيء بالفعل عن باقي المقاعد)! ما أن جلست لحظات حتى بدأت أشعر بحرارة الموتور.. شكرت الرب جدًا على تنبيه روحه القدوس للخادم في الوقت الصحيح ليعود ليشتري آخر تذكرة! لولا تنبيهات الروح، لما تمكنت من المغادرة. بدأ الأتوبيس في التحرك، وبدأت أنا في التفكير والصلاة لأجل الإيجار! فقد كنت متيقنًا أنه بمجرد عودتي سنبدأ أنا وزوجتي في التفكير لأجل هذا الأمر العاجل!

ما أن سألت الرب في قلبي: “ماذا سنفعل يا رب؟”، حتى أجابني الروح “فلوس الإيجار معك”!

تهللت بالروح، وأعلنت إيماني أن الرب سيرتب الإيجار بأسرع ما يمكن! لكن كيف؟ الروح يجيبني بهدوء وإصرار: “احتياجك معك.. في الكتاب المقدس!”

أنا: “نعم يا روح الله.. أؤمن.. الكتاب المقدس – الذي بالفعل كنت أمسكه بين يدي وقتها وأنا جالس في الأتوبيس – يعلن أنك تسدد احتياجي بحسب غناك في المجد ويعلن أنه لن يعورني شيء من الخير، ويعلن أني لن أخزى، وأنا أؤمن بهذا بكل قلبي!”

الروح مكررًا ومصممًا: “احتياجك في الكتاب المقدس.. الفلوس موجودة في الكتاب المقدس!”

أنا: “الفلوس في الكتاب المقدس؟ ماذا تقصد يا رب؟”

الروح موضحًا: “افتح الكتاب المقدس ستجد احتياجك المادي مذخر لك بداخل الكتاب!”

اتلخبطت! سألت مرة أخرى بداخلي مترددًا وأنا أشعر بالهيبة والمخافة والرعدة تملأني: “الفلوس في الكتاب المقدس؟” الروح بإصرار وبساطة: “نعم! افتح الكتاب”… لم أستطع أن أفرق في هذه اللحظة بين الحرارة المنبعثة مني وحرارة الموتور التي تزداد كلما مر الوقت! مددت يدي برعدة، وفتحت الكتاب المقدس لأنظر بداخل الغلاف الأيمن حيث أخفي أوراق ملاحظات العظات! لم أجد شيء! تسارعت دقات قلبي! قلبت الكتاب المقدس في ثوان مارًا بكل الأسفار.. مرت اللحظات القليلة جدًا جدًا كأنها دهر! وصلت للغلاف الخلفي حيث أخفي أيضًا الكثير من أوراقي التي يكتظ بها كتابي المقدس!

وسط أوراق العظات.. اختبأت أوراق نقدية! نعم.. ما أراه حقيقيًا! كدت أصيح وأجري في الأتوبيس من الفرح! من أين جاءت هذه النقود؟! النقود تكفي الإيجار وأكثر بقيمة ثلثًا إضافيًا! ما أعظمك يا رب! هل النقود كانت معي طول الوقت وأنا لا أعلم؟! كيف أتت النقود؟ كتابي المقدس كان معي طول الوقت في المؤتمر في يدي، تقريبًا لم أتركه أبدًا، حتى في أوقات الأكل كان بجانبي على المنضدة! كيف وُضِعَت هذه النقود بداخله؟ لا أدري! لكنني متهللاً بإلهي! كم هو أمين! كم هو حقيقي! كم هو صديق وفي! أود أن أصيح وأصيح أن إله العهد هنا معي! الخالق العظيم.. الفادي المخلص.. الصديق والمُحِب الألزق من الأخ (الأمثال ١٨: ٢٤)! انطلقت أرنم وأرنم معطيًا كل المجد للرب!

ما أن وصلت لبيتي، حتى استقبلتني زوجتي على الباب قائلة بثقة أصيلة وبلهفة متحمسة لمعجزات الرب: “الرب قاللي الصبح إنه بعتلك فلوس الإيجار.. هي فين؟”

أنا منفجرًا في الضحك: “في الكتاب المقدس!”

زوجتي متسائلة: “بتضحك على إيه؟”

أنا موضحًا: “لأني غالبًا أنا الوحيد الذي لم أدري أن الفلوس معي! الرب قاللي إن الفلوس معي وأنا مش عارف، وقالك إن الفلوس معي وأنا مش عارف!”

نظرت زوجتي إليّ بدهشة! قصصت عليها ما حدث في دقائق، ودخلت لآخذ قسطًا إضافيًا من النوم، فقد بلغا بي الإجهاد والإثارة مقدارًا عظيمًا!

استيقظت من النوم بعد ساعات قليلة، متذكرًا أن أحد الخدام كان يبيت معي في الغرفة في المؤتمر، لكننا لم نلتق ولم نقض وقتًا معًا نظرًا لانشغالي طول الوقت في الوعظ أو في الجلوس مع المُؤتمِرين حتى وقت متأخر من الليل. قررت أن أتصل به لأسأله إن كان يعرف شيئًا عن النقود! اتصلت به تليفونيًا في اليوم التالي، قلت له مباشرةً إني وجدت نقودًا في الكتاب المقدس، وسألته: “هل تعرف عنها شيئًا؟”

أجابني ضاحكًا: “نعم أعرف!”

سألته: “هل هذه تقدمة من المؤتمر وضعوها لي بطريقةٍ ما في الكتاب المقدس؟”

لدهشتي، أجابني صديقي الخادم: “لا.. هذا المكان لا يعطي تقدمات للخدام!” ذهلت من إجابته!

سألته: “إذًا، ماذا تعرف عن هذه النقود؟”

أجابني موضحًا – وهو مستمر في الضحك بفرح حقيقي – قال لي إنه عندما عرف قبل المؤتمر أنه سيقيم معي في نفس الغرفة، الرب طلب منه أن يأخذ معه هذا المبلغ من النقود ليعطيه لي قبل مغادرتي لتسديد احتياج مُلِح عندي، وقد انتظرني كثيرًا ليلة مغادرتي ليعطني النقود، لكنني تأخرت جدًا في جلسات الإرشاد، لدرجة أن النوم غلبه، ولم يكن يشعر بارتياح أن يخرج ليعطني النقود وسط الجلسات، فأخذ يبحث عن أي شيء يضع لي فيه النقود، لكنه لم يجد! إذ كانت حقيبتي مغلقة بإحكام بالقفل! ولم يشعر صديقي الخادم بارتياح أن يضع النقود في أحد جيوب الحقيبة، لأنه ظن (وكان ظنه في محله) أن هذه الجيوب قد لا أفتحها أبدًا، وبالتالي لن أعثر على النقود! فنام صديقي وهو يفكر ماذا يفعل! نبهه الروح القدس وأيقظه حوالي الرابعة فجرًا، فألتفت ليجدني نائمًا، وكتابي المقدس بجانبي! فالتقط الكتاب المقدس ووضع فيه النقود وأغلقه بإحكام ونام مطمئنًا أن الأمانة ذهبت لصاحبها!

كانت النقود معي وأنا ذاهب للمحطة مع الخادم الآخر الذي أوصلني! وكانت النقود معي بينما كنت أصلي أن يرسل لي الرب الإيجار! إلهي العظيم كان قد أعد كل شيء! كل شيء كان معدًا لراحتي ولتسديد احتياجي! ليس احتياجي للنقود فقط! لكن احتياجي العميق للرفيق! للصديق! للمعين الذي يمكن الاعتماد عليه بلا خوف! وهو كان هناك! هو دائمًا هناك! يهوه شمه! الحاضر! شريك العهد القوي الذي لا يتخلى أبدًا عن محبيه! إلهي الكريم الذي يتآمر دائمًا بالكرائم لأجلي! “وأمّا الكَريمُ فبالكَرائمِ يتآمَرُ، وهو بالكَرائمِ يَقوم” (إشعياء ٣٢ : ٨). إلهي العظيم الذي لا يتغير، وليس عنده تغيير، ولا ظل دوران (يعقوب ١: ١٧). هو هو أَمْسًا واليوم وإلى الأبد!

نعم يا رب.. أنت هو وستبقى أنت أنت.. وسنوك لن تفنى! ستبقى أنت السند والضمان والمُعتمَد! الراعي الأمين والأب الذي لا يهتز ولا تهتز محبته أبدًا أبدًا! الذي يحب بلا حدود! ويعتني بلا حدود! ويمكث بجواري بلا حدود! ويجد لذته فيّ وفي مغامرات حبنا بلا حدود! الأب الذي يظهر بخطواته الواثقة، وبغناه العظيم ليقول لي: أنا هنا.. لا تخف احتياجاتك.. لا تدعها تسلبك سلامك! ثق بي! أنا أقوى من احتياجك.. أنا أغنى بكثير.. وكل غناي لك.. لأني أحببتك!

نعم يا أبي! أنت خالق السماء والأرض.. وستظل خالقًا لا يكل ولا يعيى! خلقت لي أرضًا سأملك عليها معك، وستخلق لي سماءً جديدة وأرضًا جديدة حيث نقضي الأبدية معًا.. في بيتك.. بيتي.. بيت أبي.. الآب السماوي! أُحِبُّكَ يا رَبُّ، يا قوَّتي (المزامير ١٨ : ١).

و«أنتَ يا رَبُّ في البَدءِ أسَّستَ الأرضَ، والسماواتُ هي عَمَلُ يَدَيكَ. هي تبيدُ ولكن أنتَ تبقَى، وكُلُّها كثَوْبٍ تبلَى، وكرِداءٍ تطويها فتتَغَيَّرُ. ولكن أنتَ أنتَ، وسِنوكَ لن تفنَى» (العبرانيين ١ : ١٠ – ١٢).

خادم للرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *